مع انتهاء العام الدراسي ، وانشغال كلّ منّا بمسؤولياته المتعددة ، وجدتني ألملم أوراقي، وأعيد تنظيم ملفاتي، وأصنف الأوراق فيها ليسهل عليَّ الرجوع إليها حين الحاجة. ظننت أن العملية سهلة وأنها لن تستغرق من وقتي الكثير. فوجئت بانغماسي الشديد في بحر من المعلومات التي حوتها هذه الأوراق، وتلك الملفات. حاولت ألا أقع فريسة لجاذبيتها وعمق المعلومات فيها، ولكن دون جدوى. ففي كل مرة أفتح ملفاّ أو أتصفح ورقة لأضعها في المكان المناسب، تجذبني فلا أفلت منها إلا وقد قرع الجرس معلناّ نهاية الدوام. ألملم الأوراق ثانية واعدة نفسي بتكرار المحاولة في اليوم التالي وهكذا .....
أعود مشتاقة لتنظيم وترتيب الأوراق، وقراءة المعلومات الغزيرة والمفاهيم القيمة التي حوتها، فهي أوراق ضمت ورشات عمل عقدت لمساعدة المعلمين والمعلمات على مختلف الأصعدة . منها استخدام آليات وأدوات تسهم في تطوير أدائهم وطرق تدريسهم. ومنها توجيهات، واقتراحات، ومشاركات منهم، خلال عقد ورشات العمل، تسهم في تطوير سلوكات مختلفة لديهم ولدى الطلبة، ليصبح التعامل بينهم وبين طلبتهم، كما يصبح التفاعل بينهم وبين الآخرين من زملائهم وزميلاتهم، مهنياً، تربوياً، راقياً.
كل ورقة من الأوراق أعادت لي ذكريات العمل الجاد الذي بُذل في هذا السبيل. توقفت وهمست لنفسي كيف أن الأنسان حين يعتاد الشيء يعتاده بالتدريج، فيصبح غير المألوف لديه مألوفاً، بل ويصبح جزءاً من كيانه ومن تفكيره. هذا ما حدث لي وللعديد من مكوّني عمّان الوطنية... وقفنا بعد خمسة وعشرين عاماّ نتأمل الحصاد ولم نفاجأ بالنتاج، بل شعرنا بأنه العادي والمألوف والمتوقع والذي لا نرضي بغيره. ولكني وللحق رأيت بأن ذلك لم يكن العادي ولا المألوف، ولم يكن محض صدفة، ولم يكن محض حظ . فهذه الأوراق التي غرقت في بحرها خلال الأيام الفائتة، والتي شدتني عناوينها، وأغرتني موضوعاتها بإعادة قراءتها، كانت الإجابة على ما همست به لنفسي. كانت مزدحمة بمفاهيم جاذبة قيمة لم أتمكن من الإفلات منها. قرأت فيها : تعليم التفكير الناقد، مواهب بلا حدود : مهارات الاتصال ، التفكير الخصب ، التخطيط، التنبؤ ، اتخاذ القرار . استراتيجيات إبداعية في تعليم النصوص : عكس المسلم، التشويه، الاستثارة العشوائية، المبالغة، تغيير منطقة الانتباه، التصميم. دور المنهج في تنمية القيم السلوكية . توظيف الغناء في تعليم البناء الدرامي للسرد. تعدد أنواع الذكاء. قبعات التفكير الست. كورت ومفاهيمه . تصميم التدريس. نتاجات التعلم. التقويم المستمر. كيفية إعداد أوراق العمل. كيفية وضع الأسئلة. الأسئلة السابرة. كيفية تعليم الكتابة : القصة القصيرة، المقال الإقناعي، المقال الوصفي، الشعر. استخدام السبورة. التعلم الفاعل. التعلم التعاوني. التعلم الفريقي . التعلم الذاتي . صعوبات التعلم. الإدارة الصفيّة . الواجبات خارج الغرفة الصفية. تنظيم الوقت في المنزل ... و... و...و ... . لا . لا . لا .....سأتوقف لأعود لأوراقي، فهذا غيض من فيض مما احتوته، وقطرة من بحر مما أنجز خلال خمسة وعشرين عاماً.
وبما أن العام القادم هو السنة الأولى بعد الخمسة والعشرين من عمر عمّان الوطنية كما أعلنت السيدة دارة ، فقد وجدتني أحبو في خوف وترقب واستثارة لأبدأ المشوار من جديد !
فايزة اليحيى السفاريني